الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

27

تفسير روح البيان

استعداده لشؤون الجلال كأنه سأل بلسان الاستعداد كونه شقيا يسأله من في السماوات والأرض بلسان القال والحال والاستعداد كل يوم هو في شأن يفيض ويعطى كل شئ ما يستعد من السعادة والشقاوة على حسب الاستعدادات في الأعيان الثابتة الغيبية العلمية وعلم سبحانه وتعالى ان عبده يطيع فجعله سعيدا اى بمقتضى استعداده للسعادة الإجمالي والقابلية المودعة في النشأة الانسانية بقوله أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى فتلك الإجابة منهم تدل على الاستعداد السعادى الأزلي فلو لم يكن ذلك لما صح عليهم التكليف والخطاب يمحو اللّه ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب فإذا عرفت ان الإنسان سعيد وشقى فاستعداد السعيد لا يعطى الا الأقوال المرضية والأفعال الحسنة والأخلاق الحميدة التي تورث الانبساط واستعداد الشقي لا يعطى الا التي تورث الانقباض فلذا امر اللّه تعالى حبيبه بالصبر وتحمل الإيذاء من أهل الشقاوة والقهر والجلال والابتلاء في الدنيا سبب للغفران وتكميل الدرجات التي لا تنال في الجنان الا على قدر البلاء وفي الخبر ( ان في الجنة مقامات معلقة في الهواء يأوى إليها أهل البلاء كالطير إلى وكره ولا ينالها غيرهم ) وان الرجل يبتلى على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة اشتد بلاؤه وان كان في دينه رقة ابتلى على قدر دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشى وما عليه خطيئة والبلاء سوط اللّه على عباده كيلا يركنوا إلى الدنيا ولا يشغلوا بها ويفروا إلى اللّه من ضرب سوطه كما يفر الخيل إلى مستقره والآخرة هي دار القرار ما بلا را بكس عطا نكنيم * تا كه نامش ز أوليا نكنيم وبالجملة فمن ابتلى بشئ من المصائب والبلايا فالعاقبة حميدة في الصبر وبالصبر يكون من الأمة المرحومة حقيقة ويدخل في اثر النبي عليه السلام وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ من زائدة لتأكيد الاستغراق وفي متعلقة بمحذوف هو وصف الدابة اى وما فرد من افراد الدواب يستقر في قطر من أقطار الأرض وَلا طائِرٍ من الطيور في ناحية من نواحي الجوّ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ كما هو المشاهد المعتاد . فقيد الطيران بالجناح تأكيد كما يقال نظرت بعيني وأخذت بيدي أو هو قطع لمجاز السرعة لأنه يقال طار فلان في الأرض اى اسرع إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ محفوظة أحوالها مقدرة أرزاقها وآجالها ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ يقال فرط في الشيء ضيعه وتركه اى ما تركنا في القرآن شيأ من الأشياء المهمة التي بينا انه تعالى مراع فيها لمصالح جميع مخلوقاته على ما ينبعى بل قد بينا كل شئ اما مفصلا أو مجملا اما المفصل فكقوله تعالى أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ واما المجمل فكقوله تعالى ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا - روى - ان الإمام الشافعي كان جالسا في المسجد الحرام فقال لا تسألوني عن شئ الا أجيبكم فيه من كتاب اللّه تعالى فقال رجل ما تقول في المحرم إذا قتل الزنبور فقال لا شئ عليه فقال اين هذا في كتاب اللّه فقال قال اللّه تعالى وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ الآية ثم ذكر اسنادا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ) ثم ذكر اسنادا إلى عمر رضى اللّه أنه قال ( للمحرم قتل الزنبور ) ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ اى الأمم يُحْشَرُونَ يوم القيامة إلى ربهم لا إلى غيره فيقضى